 |
| |
|
|
| العراق بين المغالبة والمصالحة |
 |
|
|
 |
 |
| التحدي الحقيقي لا يكمن في إنجاح هذا الموعد الانتخابي، بقدر ما يتعلق بشكل أساسي بالقدرة على التوصل إلى إعادة الاستقرار الشامل لكل ربوع العراق، وبتعزيز اللحمة الوطنية بين كل مكونات الشعب العراقي. |
|
|
|
 |
العراق بين المغالبة والمصالحة
الحسين الزاوي
حينما يشاهد المواطن العربي ما يحدث من تفجيرات وقتل في العراق نتيجة للانقسام الطائفي والتناحر السياسي، فإنه لا يملك سوى أن يتساءل بكثير من التوجس والإشفاق عن مسار ومآل العملية الانتخابية، التي سيعايش العراق فصلاً من فصولها الجديدة خلال الأسابيع القليلة المقبلة . كما يطرح هذا المواطن أسئلة كثيرة عن الدور الذي ستلعبه قوات الاحتلال الأمريكي من أجل إنجاح هذا الاستحقاق، الذي من شأنه أن يشكل نقطة تحوّل جديدة في تاريخ العراق المعاصر . لأن النخبة السياسية الجديدة التي سوف تفرزها صناديق الاقتراع، سيكون لها امتياز تتبع ومواكبة عملية انسحاب القوات الأمريكية، في صورة ما إذا التزمت إدارة أوباما بتنفيذ وعودها المتعلقة بالملف العراقي .
لا مندوحة أن نعترف في هذا السياق، بأن المشكلة الرئيسية التي سوف تواجه العراق لن تتعلق إطلاقاً بمسألة كسب رهان تنظيم الانتخابات، لأن تأمين مراكز الاقتراع لا يمثل تحدياً كبيراً بالنسبة لقوات الأمن العراقية المدعومة بالإمكانات اللوجستية التي يوفرها الجيش الأمريكي . خصوصاً أن التجارب السابقة أثبتت أن تأمين العملية الانتخابية يتطلب إجراءات استثنائية لفترة لا تتجاوز مدتها أكثر من 72 ساعة . وفضلاً عن ذلك فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في إنجاح هذا الموعد الانتخابي، بقدر ما يتعلق بشكل أساسي بالقدرة على التوصل إلى إعادة الاستقرار الشامل لكل ربوع العراق، وبتعزيز اللحمة الوطنية بين كل مكونات الشعب العراقي، كما يتعلق بالعمل على تحويل التعددية الحزبية الحالية، القائمة على الكثير من التوجهات الطائفية، إلى تعددية سياسية حقيقية قائمة على مفاهيم المواطنة والاختلاف في البرامج السياسية، التي يدعمها مجتمع مدني متفتح يؤمن بالمساواة وبالعدالة أمام القانون وبدولة المؤسسات، ولا يستمد مرجعيته وهويته الوجودية من مكونات العرق أو الطائفة . فكيف سيكون ممكناً وفقاً لكل ما سبق، أن يتحول أولئك الذي وطدوا زعاماتهم الشخصية على أسس طائفية، إلى رموز وطنية قادرة على تمثيل كل العراقيين؟ خصوصاً أن الخريطة السياسية التي أفرزها الاحتلال الأمريكي تشكلت وفق جملة من الاصطفافات الطائفية التي تحدث بعض أقطابها عن الظلم والحيف الذي لحق ببعض مكونات الشعب العراقي أثناء فترة حكم حزب البعث .
وبصرف النظر عن فحوى وطبيعة التقييمات المقدمة بشأن الحصيلة السياسية للنظام السياسي الذي حكم العراق طيلة عقود من الزمن، فإن التجارب السياسية في العراق وفي غيره من الدول العربية، أثبتت أن الممارسة الحزبية والسياسية في مجموع الأقطار العربية لا تتم حتى الآن، وفقاً لبرامج الأحزاب مهما كانت طبيعة توجهاتها الإيديولوجية . لأن هذه الأحزاب لا تمثل إلا هيكلاً بيروقراطياً متضخماً توظفه الزعامات الحاكمة، خدمة لتوجهاتها وتصوراتها الخاصة، وبالتالي فالقيادات الحزبية الحالية على اختلاف مشاربها، لا يتم إفرازها من القاعدة انطلاقاً من آليات ديمقراطية سليمة وشفافة . والذي يحدث في نهاية المطاف هو أن هذه القيادات تؤسس كيانات بيروقراطية وتسميها أحزاباً، ثم تسعى بعد ذلك إلى البحث عن أتباع ومريدين من أجل تجميل المشهد العام، وإعطاء صورة إيجابية عن طبيعة الواقع السياسي . وبالتالي فإن ما يظهر ويتبلور حتى الآن ينخرط في سياق المنطق الفولكلوري نفسه الذي ساد خلال فترات سابقة، حيث إن القيادات السياسية المزهوة بصورتها النرجسية، ما انفكت تبحث لنفسها عن هياكل حزبية قادرة على ترجمة طموحاتها الشخصية على أرض الواقع . وليس هناك حتى الآن، ما دمنا نؤمن جميعاً بأن الاستثناء لا يلغي القاعدة، وجود لحزب سياسي تشكل وفقاً لرغبات المواطنين البسطاء وفي تناغم تام مع تطلعات المجتمع المدني المؤمن بقيم المواطنة والحق في الاختلاف، حيث إنه وخلافاً لكل التقاليد والأعراف السائدة لدى الأحزاب السياسية في الغرب، فإن الأحزاب السياسية التي نشأت في العراق وفي بقية الدول العربية وُلدت دفعة واحدة وبملامح كاملة لتُكلم الناس في المهد .
ويمكن القول إن التعددية السياسية في العراق يمكنها أن تتوصل إلى تحقيق نجاحات أكبر من مجرد تنظيم انتخابات نيابية جديدة، قد تؤدي إلى دق إسفين جديد في جسد الوحدة الوطنية . وذلك في صورة ما إذا استطاعت أن تؤسس لتجربة جديدة في التعددية السياسية الحقيقية المدعومة بمنابر إعلامية حرة ومنفتحة على الاختلاف والحق في إبداء الرأي المخالف، لأن حرية التعبير تمثل أكثر العناصر قدرة على تجسيد قيم التسامح والقبول بالاختلاف . وعليه فإنه من الأهمية بمكان أن تشكل الانتخابات المقبلة وما سيتلوها من إعادة تشكيل للمشهد السياسي ومن انسحاب لقوات الاحتلال الأجنبي، مناسبة لتحقيق المصالحة السياسية، حتى لا يظل العراق فريسة للإقصاء والإقصاء المضاد، الذي يُدخله في دوامة من العنف الأعمى الذي من شأنه أن يؤثر في تماسك ووحدة العراق وقد يصيبها في مقتل . على العراقيين أن يختاروا قبل خروج آخر جندي أمريكي من بلاد الرافدين، بين منطق المصالحة وعبث وسفسطة المغالبة التي يمكن أن تجرهم نحو مواجهات أكثر عنفاً وشراسة، يكون فيها الانتصار لأعداء العراق وللمتربصين بوحدته وسلامة أراضيه .
الخليج الإماراتية
|
| |
|
|
 |